وفرضيتها معلومة بالكتاب، والسنة، والإجماع المعلوم من الدين بالضرورة، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] في آيات كثيرة من كتاب الله، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١].
ومن السنة: حديث المعراج وفيه: (هي خمس وهي خمسون). وفي «الصحيحين» قوله ﷺ لمن سأله عن شرائع الإسلام: (خمس صلوات في اليوم والليلة) قال السائل: هل عليَّ غيرهن؟ قال: (لا، إلا أن تطوع).
وتجب الصلاة على المسلم البالغ العاقل، فلا تجب على الكافر، ولا الصغير، ولا المجنون، لقوله ﷺ: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصغير حتى يبلغ). ولكن يؤمر بها الأولاد لتمام سبع سنين، ويضربون على تركها لعشر. فمن جحدها أو تركها فقد كفر، وارتد عن دين الإسلام لقوله ﷺ: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر).

📖 تعليق الشيخ

1- المعلوم من الدين بالضرورة هو الحكم الشرعي الذي يستوي في علمه جميع الناس؛ العالِم والجاهل، والصغير والكبير، وطالب العلم وغيره. فهو أمر مشهور لا يُتصور أن يجهله أحد أبداً، كفرضية الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان.
اختلاف الحكم باختلاف الزمان والمكان يتفاوت تحديد "المعلوم من الدين بالضرورة" بحسب انتشار العلم في الزمان والمكان:
في بلاد المسلمين: (كمصر والسعودية وغيرها)، يُعد تحريم الزنا أو الخمر من المعلوم بالضرورة، ولا يُتصور الجهل به.
في البلاد غير الإسلامية: (كأوروبا وغيرها)، قد يُتصور جهل المسلم الجديد ببعض الأحكام الأساسية كتحريم الخمر أو الزنا. ومما يوضح ذلك، قصة مسلم أوروبي حضر كأس العالم الأخير في قطر 2022، ولما سمع أذان الصلوات الخمس تعجب، وذكر أنه لا يعرف سوى "صلاة الجمعة" ويجهل فرضية الصلوات الخمس تماماً لقلة العلم في بيئته.
الحكم المترتب على إنكار الأحكام الشرعية تظهر أهمية هذا المصطلح في تحديد حكم مَن يُنكر حكماً شرعياً، وذلك على النحو التالي:
-- إنكار المعلوم بالضرورة: مَن أنكر حكماً معلوماً من الدين بالضرورة (كمن ينكر فرضية الصلاة وهو يعيش طوال حياته في بلاد المسلمين) يُحكم بكفره مباشرة لإنكاره وجحوده حكماً شرعياً ثابتاً، ولا يُعذر بالجهل؛ لأن هذا الحكم لا يُتصور الجهل به أصلاً.
-- إنكار ما ليس معلوماً بالضرورة: ليس كل إجماع فقهي يُعد معلوماً من الدين بالضرورة؛ فهناك مسائل مُجمع عليها ولكنها مشهورة بين أهل العلم فقط. فإذا أنكر شخص حكماً من هذا النوع (مثل تحريم الجمع بين المرأة وأختها في الزواج)، فلا يُحكم بكفره فوراً؛ لاحتمال جهله بالحكم، بل يجب أولاً الاستفصال منه، وإقامة الحجة عليه، وبيان الأدلة الشرعية له.
متى ما تقرر أن حكماً معيناً يُعد معلوماً من الدين بالضرورة في زمان أو مكان ما، فإنه لا يُقبل من أحد إنكاره، وإنكاره يُعد كفراً مُخرجاً من الملة، كحال فرضية الصلوات الخمس في بلاد الإسلام.
***
2- مسألة: هل تجب الصلاة على الكافر؟
قد يتبادر إلى الذهن سريعاً الإجابة بالنفْي، بحجة أنه كافر ولا تصح منه الصلاة. ولكن هذه المسألة فيها تفصيل عند أهل العلم؛ إذ يجب التفريق بين "وجوب الصلاة" و"صِحَّة الصلاة".
فالصلاة واجبة على الكافر (كما هو واجب عليه الدخول في الإسلام)، ولكنه لو صلى وهو على كفره فلن تُقبل منه ولن تصح. بل يجب عليه أن يُسلِم أولاً ثم يُصلِّي.
الدليل على وجوبها على الكافر: يُعاقَب الكافر يوم القيامة على كفره، ويُعاقب كذلك على تركه للصلاة (وباقي فروع الشريعة). والدليل على ذلك قوله تعالى حكايةً عن الكفار في النار حين سُئلوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: 42-47]. فذكروا تركهم للصلاة كأحد أسباب عذابهم في الجحيم.
مثال للتوضيح (القياس على المُحْدِث): لتوضيح الفكرة، لو سألنا: هل تجب الصلاة على "المُحْدِث" (الشخص الذي ليس على وضوء) إذا دخل وقت الصلاة؟ الإجابة: نعم، تجب عليه. ولكن هل لو صلى وهو مُحْدِث تُقبل منه؟ بالطبع لا؛ لأن شرط قبولها الطهارة، فيجب عليه أن يتوضأ أولاً ثم يصلي. نفس القاعدة تنطبق على الكافر تماماً؛ الصلاة واجبة عليه، ولكن شرط قبولها هو "الإسلام". فلا تُقبل منه حتى يتطهر بالدخول في الإسلام أولاً، ثم يصلي.
***
3- مسألة حكم تارك الصلاة
يجب التفريق أولاً بين مَن يترك الصلاة جحوداً وإنكاراً لفرضيتها؛ فهذا كافر كفراً أكبر مخرجاً من الملة بالإجماع، وبين مَن يتركها تكاسلاً وتهاوناً (مع إقراره بفرضيتها)، وهذا هو موضع الخلاف السائغ والمعروف بين أهل العلم، بل وحتى بين الصحابة رضي الله عنهم.
وقد انقسم العلماء في حكم تارك الصلاة تكاسلاً إلى قولين:
القول الأول: كفر أكبر مخرج من الملة يرى أصحاب هذا القول أن تارك الصلاة تكاسلاً يكفر كفراً أكبر. وممن نُسب إليهم هذا القول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل. وتترتب على هذا القول أحكام بالغة 
- الخطورة؛ إذ يُعامل تارك الصلاة معاملة المرتد، فلا يصح زواجه من مسلمة، وإذا مات لا يُغسَّل ولا يُكفَّن ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، ولا يَرِث ولا يُورَث.
- أدلتهم: استدلوا بنصوص منها قوله ﷺ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»، وقوله ﷺ: «بين الرجل وبين المشرك والكفر ترك الصلاة»، وقوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾.
القول الثاني: كفر أصغر (مذهب الجمهور) يرى الشافعية والمالكية والأحناف أن تارك الصلاة تكاسلاً لا يخرج من ملة الإسلام، بل يكفر كفراً أصغر، ولكنه بذلك يرتكب كبيرة من أكبر الكبائر، وهي أشد إثماً عند الله من الزنا وشرب الخمر. وهذا هو القول الراجح الذي نميل إليه.
أدلتهم:
 ١. القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾؛ فترك الصلاة يدخل فيما دون الشرك، مما يجعله تحت المشيئة وقابلاً للمغفرة. 
٢. السنة النبوية: قوله ﷺ: «خمس صلوات افترضهن الله على العباد... ومن لم يأت بهن فليس له عهد عند الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له» (صححه الألباني). ووجه الدلالة أنه لو كان كافراً كفراً أكبر لم تدخله المشيئة والمغفرة؛ لأن الكفر الأكبر لا يُغفر. 
٣. أحاديث الشفاعة: وفيها أن الله تعالى يُخرج من النار أقواماً «لم يعملوا خيراً قط»، فيدخل في عموم ذلك مَن قصر في الصلاة وتركها.

الخلاصة: بناءً على مذهب الجمهور، تُحمل النصوص الشرعية التي تصف تارك الصلاة بالكفر (مثل: «فقد كفر») على "الكفر الأصغر". وتسمية هذه المعصية في الشرع "كفراً" تدل على عِظَمها وخطورتها الشديدة، مما يوجب على المسلم تعظيم أمر الصلاة والحذر الشديد من التفريط فيها. والله تعالى أعلم.
📖 افتح في التطبيق التفاعلي