الاستحاضة: سيلان الدم في غير وقته على سبيل النزيف، من عرق يسمى العاذل.
ودم الاستحاضة يخالف دم الحيض في أحكامه وفي صفته، وهو عرق ينفجر في الرحم، سواء كان في أوقات الحيض أو غيرها، وهو لا يمنع الصلاة ولا الصيام ولا الوطء؛ لأنها في حكم الطاهرات. ودليله حديث فاطمة بنت أبي حبيش: قالت: يا رسول الله إني أستحاض، فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: (لا، إن ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي). فيجب عليها أن تغتسل عند نهاية حيضتها المعتبرة، وعند الاستحاضة تغتسل في الفرج، وتجعل في المخرج قطناً ونحوه يمنع الخارج، وتشّد عليه ما يمسكه عن السقوط. ويعني عن ذلك الحفاظ الصحيّة في هذا الوقت، ثم تتوضأ عند دخول وقت كل صلاة.
والمستحاضة لها ثلاث حالات :
الحالة الأولى: أن تكون لها عادة معروفة، بأن تكون مدة الحيض معلومة لديها قبل الاستحاضة، فهذه تجلس قدر عادتها، وتدع الصلاة والصيام، وتُعدّ حائضاً، فإذا انتهت عادتها اغتسلت وصلت وعدّت الدم الخارج دم استحاضة؛ لقوله ﷺ لأم حبيبة: (امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي).
الحالة الثانية: إذا لم تكن لها عادة معروفة، لكن دمها متميز بعضه يحمل صفة الحيض: بأن يكون أسود أو ثخيناً أو خبيثاً أو رائحته، والباقي يحمل صفة الاستحاضة، دم أحمر ليس له رائحة. ففي هذه الحالة ترد إلى العمل بالتمييز؛ لقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: (إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي، وصلي فإنه دم عرق).
الحالة الثالثة: إذا لم تكن لها عادة ولا صفة تميز بها الحيض من غيره، فهذه تجلس غالب الحيض ستاً أو سبعاً؛ لأن هذه عادة غالب النساء، وما بعد هذه الأيام من الدم يكون دم استحاضة، تغتسل ثم تصلي وتصوم؛ لقوله ﷺ لحمنة بنت جحش: (إنما هي ركضة من الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام ثم اغتسلي، فإذا استنقأت فصلي وصومي فإن ذلك يجزيك).ومعنى (ركضة من الشيطان) يعني دفعة؛ أي: إن الشيطان هو الذي حرّك هذا الدم.
📖 تعليق الشيخ
القاعدة الأولى: حُكم الصُّفْرَة والكُدْرَة
الصُّفْرَة (إفرازات دموية صفراء) والكُدْرَة (إفرازات بنية أو داكنة) تُعَدُّ حيضًا إذا نزلت في زمن الحيض، وتُعَدُّ طُهْرًا إذا نزلت بعد الطُّهْر.
فإذا كانت هذه الإفرازات متصلة بنزول الدم الأحمر أو الأسود، فهي من أصل الحيضة. أما إذا نزلت بعد الطهر بأيام ولم تكن متصلة بالدم المعتاد، فلا تُعدُّ من الحيضة.
المثال الأول: امرأة نزل عليها دم أسود لخمسة أيام، ثم دم أحمر لثلاثة أيام، ثم إفرازات (صفرة وكدرة) ليوم واحد، ثم طهرت؛ فمدة حيضتها هنا (تسعة أيام).
المثال الثاني: امرأة نزل عليها دم أسود لأربعة أيام، ثم دم أحمر لثلاثة أيام، ثم طهرت ليومين، وبعد ذلك نزلت إفرازات (صفرة وكدرة) لمدة يومين؛ فمدة حيضتها هنا (سبعة أيام فقط)؛ لأن الطهر سبق نزول الصفرة والكدرة.
القاعدة الثانية: مدة الدم الأحمر
يُعَدُّ الدم الأحمر حيضًا ما دامت مدته لم تتجاوز خمسة عشر يومًا.
المثال الأول: امرأة نزل عليها دم أسود لخمسة أيام، ثم دم أحمر لثلاثة أيام، ثم طهرت؛ فمدة حيضتها (ثمانية أيام).
المثال الثاني: امرأة نزل عليها دم أسود لخمسة أيام، ثم طهرت ليومين، ثم نزل عليها دم أحمر لثلاثة أيام، ثم طهرت؛ فمدة حيضتها (ثمانية أيام) أيضًا؛ لأن الدم الثاني دم حيض معتاد تخلَّله فاصل طهر.
تغير العادة (زيادةً ونقصانًا)
هل يمكن أن تتغير عادة المرأة (كأن تكون عادتها ٧ أيام فتزيد أو تنقص)؟ نعم، تتغير العادة بزيادة أو نقصان تبعًا لنزول الدم أو انقطاعه. أما النقصان فلا إشكال فيه، وأما الزيادة فتفصيلها كالآتي:
إذا زادت مدة نزول الدم عن خمسة عشر يومًا: يجب على المرأة أن تغتسل وتصلي وتأخذ جميع أحكام الطاهرات. ولا يضرها استمرار جريان الدم بعد ذلك، ولكن يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها.
قد يكون هذا الأمر عارضًا لمرة واحدة، ولكن إذا تكررت هذه الزيادة (أكثر من ١٥ يومًا) لثلاث حيضات متتالية، فإن المرأة تتحول إلى (مستحاضة) وتُطبق عليها أحكام الاستحاضة.
أحكام المستحاضة
الحالة الأولى: ذُكرت في الكتاب وأمرها واضح.
الحالة الثانية (التمييز): ويُقصد به القدرة على التفريق بين الدم الأسود والأحمر. فإذا استطاعت المرأة التمييز، فالحيض هو (الدم الأسود فقط)، ويُعرف من لونه ورائحته. وإذا كانت المرأة ذات (عادة) معلومة وتستطيع (التمييز) في الوقت ذاته، فالأولى أن ترجع إلى عادتها.
الحالة الثالثة: ذُكرت في الكتاب وأمرها واضح، وتُطبق غالبًا على المرأة التي تحيض لأول مرة (المبتدأة).
علامات الطهر
أولًا: علامة الطهر للحائض
١. القَصَّة البيضاء: وهي إفرازات تميل إلى البياض تستطيع المرأة تمييزها، فإذا رأتها اغتسلت وصلت فورًا.
٢. الجفاف (انقطاع الدم): ويُعرف بالانتظار لمدة ٢٤ ساعة، مع الفحص بين الحين والآخر (الاحتشاء بقطنة) للتأكد من خلو الموضع من الدم.
تنبيه: إذا رأت المرأة الطهر في منتصف حيضتها (كأن تحيض لثلاثة أيام، ثم ينقطع الدم لـ ٢٤ ساعة وتتأكد بالقطنة من نقائها) وجب عليها الغسل والصلاة. فإذا عاد الدم بعد يومين (مثلاً) واستمر لثلاثة أيام، فإن هذا الدم يُعَدُّ من حيضتها، وتكون إجمالي مدة الحيض في هذه الحالة ستة أيام (٣ قبل الطهر + ٣ بعده).
ثانيًا: أحكام طهارة المستحاضة
يُشترط أولًا أن تنطبق عليها حالة من الحالات الثلاث المذكورة في أحكام المستحاضة.
تغتسل المرأة، وتحتشي بقطنة، وتستعمل الحفاظة الصحية، ثم تتوضأ لكل صلاة.
لا يضرها جريان الدم بعد ذلك، وتأخذ حكم الطاهرات تمامًا؛ فيجوز لها مس المصحف، والصلاة، ويجوز لزوجها أن يجامعها.
هناك رأي فقهي آخر يُستحب فيه للمستحاضة أن تغتسل لكل صلاتين (تجمع بينهما بغسل واحد)، وكلا القولين وردت بهما روايات عن النبي ﷺ.
هل يجب على المستحاضة تغيير الحفاظة لكل صلاة؟
مذهب الحنابلة: لا يجب تغييرها؛ لما في ذلك من المشقة.
مذهب الشافعية: إذا تزحزحت الحفاظة من مكانها ونزل الدم فلوَّث الثياب، وجب تغييرها.
القول بالأحوط: إذا بقيت الحفاظة والقطنة في مكانهما فلا يجب تغييرهما، ولكن إن زاد الدم بشكل كبير وتلوثت الثياب، فالأحوط تغييرهما.
أحكام النفاس
إذا زادت مدة دم النفاس عن أربعين يومًا، فإن المرأة تأخذ حكم "المستحاضة" في جميع الأحكام.
أربع قواعد فقهية في ختام الباب
١. لا يُعمَل بالشك؛ فالشك لا يزيل اليقين.
٢. لا اعتبار للشك بعد الانتهاء من العبادة.
٣. في جميع الأحكام التي تتطلب إسباغ الوضوء أو تعميم الماء، يكفي فيها "غلبة الظن"؛ لأن الوصول إلى اليقين المطلق قد يشق ويصعب.
٤. الدَّلْكُ مستحب في الطهارة، سواء أكان في الوضوء أم في الغسل.
📖 افتح في التطبيق التفاعلي